نساء ساخرات

 

من يعشق روح الأنثى لن يعشق إلا واحدة فقط .. أما من يعشق وجه الأنثى فلن تكفيه كل إناث الأرض 

 

مأدبة العالم الثالث..

مأدبة العالم الثالث..
04 تشرين1/أكتوير 2015
قيم هذا المقال
( 2 الأصوات ) 
الزيارات: 8917

مأدبة العالم الثالث..

إن أحد أعظم الدروس التي تعلمتها كان درساً تعلمته في الصف السادس الابتدائي : كانت مدرستي تدعى السيدة " شميت " , ولسنوات ، قبل أن ألتحق بالفصل الذي تدرس له ، لم أكن أطيق الانتظار حتى تصبح مدرستي ، فقد كانت المدرسة الصغيرة الرائعة التي جعلت من التعليم شيئاً ممتعاً ، وقد كانت تدرس الدروس نفسها التي يدرسها بقية المدرسين ، لكن طريقتها في القيام بذلك كانت مختلفة ، و كما يقولون هذه الأيام ، كانت تفكر " خارج الأطر التقليدية ".

في أحد الأيام ، وبينما كنا نستقر في الجلوس في مقاعدنا بعد عودتنا من فترة الاستراحة ، عرضت لنا السيدة " شميت " الإطار العام لمشروعنا المقبل : مأدبه العالم الثالث – كان غداء ستقدمه الصفوف السادس و السابع و الثامن حيث سيتناول كل طالب وجبة ترمز للأطعمة التي يتم تناولها في إحدى دول العالم الأول أو الثاني أو الثالث .
لقد قمنا بالإعداد لهذا الحدث طوال الشهر ، حيث جمعنا المال وطلبنا مساعدة ابائنا ، وأمعنا التفكير في تفاصيل الحدث، وقبل أن يمر وقت طويل كنا قد خططنا للأمر . وحتى يكون الأمر عادلاً ، قررنا أن كل طالب يشارك في حدث سيسحب ، وهو مغمض العينين ، قصاصة من الورق من إناء ، وإذا كان مكتوباً على الورقة رقم 1 ، فإن هذا الطالب حسن الحظ سيتناول الغداء الذي تتناوله دول العالم الأول ، وإذا كان مكتوباً على الورقة رقم 2 ، فإنه سيتناول الغداء الذي تتناوله دول العالم الثاني ، أما إذا كان مكتوب على الورقة رقم 3 ، فمن البديهي أنه سيتناول الغداء الذي تتناوله دول العالم الثالث .
وأخيراً حل يوم المأدبة ورن جرس المدرسة قبل ميعاد الغداء ، وتم تمرير الإناء في كل فصل حتى يختار الطلاب ما يحدد مصيرهم في الفترة ما بعد الظهيرة ، وبالطبع كان الجميع يأمل أن يختار قصاصه الورق المكتوب عليها رقم 1 .
وبعد ذلك بوقت قصير، كنا نقف على أبواب قاعة الرياضة في المدرسة ( التي أعدت لتكون بمثابة قاعة تناول الطعام ) ، وننتظر بصبر حتى يتم توجيهنا إلى مقاعدنا في الداخل، وسريعاً بدأ الآباء في اصطحاب طلاب العالم الأول لصفوف من الطاولات المتراصة و المغطاة بمفارش المائدة و أدوات المائدة و الأطباق ، أما الطلاب العالم الثاني فقد تم اصطحابهم إلى مجموعة أخرى من الطاولات، وقد كانت هناك مقاعد ، لكن بلا أي اضافات أخرى مثل أغطية الموائد أو قناني الملح و الفلفل . وأخيراً ، تم توجيه طلاب العالم الثالث إلى قطعه منعزلة من أرضية القاعة محاطة بالحبال و مغطاة بأوراق بنية اللون ليجلسوا عليها. 

وما إن اتضحت حقائق مأدبتنا ، حتى تغيرت الوجوه . لقد كان طلاب العالم الأول بالطبع يبتسمون بابتهاج ويتجولون كما لو أنهم ملوك وملكات ويتصافحون سعادةً بحظهم الحسن.

وبدا طلاب العالم الثالث فجأة بائسين وهم يحاولون أن يستشعروا بعض الراحة على الأرضية القاسية أسفلهم ، ويحسدون زملائهم الذين يجلسون على مقاعد حولهم ، ويشعرون بالرهبة من اللحظة التي سيكتشفون فيها طعامهم لهذا اليوم .

وبين هذا وذاك ، كان طلاب العالم الثاني، الذين جلسوا دون أن تبدو عليهم أية تعبيرات تقريباً ، فقد كانوا يشعرون بالإحباط إلى حد ما لأنهم لم ينالوا حظ أصدقائهم من طلاب العالم الأول، ولكنهم كانوا فرحين بالتأكيد لأنهم لم يجلسوا على الأرض ايضاً .


وقبل مرور وقت طويل ، تم تقديم الغداء ، ومن ثم حصل طلاب العالم الأول على مكرونة إسباجتي وكرات اللحم وعيش بالثوم وسلطة و ما يختارونه من مشروبات. وقد تم تقديم الطعام لهم أولاً ، وتمت خدمتهم بشكل جيد وفي خلال لحظات، كما تمت إعادة ملء أكوابهم بالشراب بعد فراغها، بل إنهم حصلوا على الكعك والمثلجات للتحلية!
أما طلاب العالم الثاني فقد قدمت لهم زبدة الفول السوداني و الجيلي وعلبة كرتون تحتوي على ربع لتر من اللبن . وعلى موائدهم لم تكن الخدمه سريعة و لا تتم إعادة ماء الأكواب، كما لم توجد تحلية في النهاية، لكن هذه الحال لم يقترب حتى من سوء حال طلاب العالم الثالث: ولهذا فقد كانوا يشعرون بالامتنان .
وفي داخل المنطقة المحاطة بالحبل و الخاصة بـ " العالم الثالث " ، وكان المكان مزدحماً وغير مريح ; حيث جل الأطفال متلاصقين ويكادون يجلسون فوق بعضهم ، وتم تقديم القليل من قناني المياه و الأكواب و أطباق أرز صغيرة ، ولكن بالطبع لم تكن هناك أي شوك .
وبقدر ما علقت تجربة المأدبة هذه معي حتى اليوم ، فهناك تفصيل بسيط أتذكره بوضوح ، وهو عالق تجربة بذاكرتي بشدة بفضل زميل قديم يدعى " تيلر " ، الذي كان أحد أضخم الطلاب في الفصل . ومن مظهره ، كان المرء يعتقد أنه شخص فظ و قاس ومشاكس يحب إثارة المشكلات ، ومع أنه كان منسجماً مع بقية الطلاب ، فإنه في داخله تقبع روح رقيقة حقاً . وهكذا كنا جميعاً مرتدين الزي الرسمي ذا الألوان الأحمر و الأبيض و الأزرق ، ولكن يقسمنا الحظ ( أو غيابه ) .
لقد جلس طلاب العالم الأول معاً يأكلون ويشربون ويضحكون في " عالمهم الأول " المريح، ناسين تماماً ما يحيط بهم من فقر ; وهو الفقر الذي أصبح بالنسبة للبعض أقرب أصدقائهم فجأة حقيقه يعيشونها ، ونسي طلاب العالم الثاني ، الذين كنت أجلس بينهم ، سريعاً كل ما يتعلق بالمكرونة التي لم يحصلوا عليها ، وشعروا بالامتنان لأنهم لم يختاروا قصاصة الورق المكتوب عليها رقم 3 . أما طلاب العالم الثالث فقد جلسوا على الأرض يقسمون حصص المياه بينهم ويتناولون بأيديهم أرزاً لزجاً بلا نكهة.
في نهاية الغداء قام " تيلر " – الذي كان يجلس بين طلاب العالم الأول في هيئته المعتادة المتواضعة العطوفة ، ويبدو أقل من تأثر بمكانة العالم الأول – بالوقوف .

كان هناك شيء مفاجئ جعله يدرك الدرس الذي كانت السيدة " شميت " ترغب في أن ندركه جميعاً : فقد قال عندما عرض عليه أن يتناول التحلية مرة إضافية : " نعم من فضلك "، لكنه لم يرد قطعة الكعك الثانية لنفسه، بل كان يريدها لمن هم أقل منه حظاً . وبعد أقل من دقيقة كان قد تحرك مبتعداً عن كرسيه ويسير خلفه طابور من زملائه في العالم الأول متجهين إلى بقية زملائهم في العالم الثاني و الثالث في أرجاء القاعة.

كان لما أبداه من عطف تأثير على من حوله يشبه تساقط قطع الدومينو المتراصة، وخلال دقائق / كانت أطباق كعكة الشيكولاتة متراصة على الطاولات الخاوية لطلاب العالم الثاني و تحل محل أطباق الأرز لدى طلاب العالم الثالث .
لقد كان الآباء مستعدين لهذا الأمر ، ولذا فقد كانوا منتظرين ومعهم أطباق كعك للجميع وقدموها للأطفال الذين لم ينلهم الحظ ليتناولها من البداية، وعادت الابتسامة لترسم مرة أخرى على الوجوه التي طالها الشعور بالفقر .
وبحلول المساء، كنا جميعاً قد أكلنا مرة أخرى حتى الشبع من طعام العشاء عائلاتنا، وعدنا لنحيا حياتنا الخالية من الهموم كأطفال محظوظين، متناسين ما في العالم من جوع أو حتى ما عاناه بعضنا من جوع سابق في هذا اليوم .

لكن طوال هذه الساعة التي قضيناها في صالة الألعاب الرياضية أثناء إقامة مأدبة العالم الثالث أدركنا حتى ولو لفترة قصيرة من الوقت، ما يعنيه الشعور بالجوع؛  لأننا لم نأكل سوى الأرز أو لأننا قد لاحظنا أصدقاءنا الذين لا يجدون ما يأكلونه . مازلت أفكر في هذا الحدث البسيط ، وكيف أن العمل البسيط الذي قام به " تيلر " أحدث هذا الفارق الكبير .

المصدر: كتاب شوربة الدجاج، عدد نعمك، أندريا فيسك

 

عن الكاتب

موقع ساخرات

موقع ساخرات

موقع المرأة الساخرة

التعليقات   

0 #1 ربى 2015-10-05 17:52
فكرة ممتازة فعلاً مثل هذه الأفكار ترسخ في ذهن الطلاب والأطفال أكثر من الطريقة التقليدية بالتعليم
اقتباس

أضف تعليق


كود امني
تحديث

موقع ساخرات.. موقع المرأة الساخرة هنا تشهر المرأة سلاحها وتنتقد بقوة حرفها ما تراه من سلبيات مجتمعها. فتارة هي المرأة الساخرة القوية التي تكتب بحروف حادة كنصل السيف، وتارة هي المرأة الساخرة الساحرة التي تخفي وراء ابتسامتها الناعمة سيلاً عرمرماً من الحكمة والحنكة تتفجر من حروفها كل حين. وفي أحايين أخرى تفوح حروفها بعبق الورد الجوري، فإن أمنت سحر اللون وعبق الرائحة أتتك أشواكها لتذكرك بأن رقتها لا تعني ضعفاً وأن شوكها لا يعني جرماً.. وإنما هي مزيج من الرقة والقوة ومن الجمال والصلابة إنها الأنثى التي تسخر إنها أنثى وتسخر

مواقع التواصل الإجتماعي

القائمة البريدية

قم بإضافة البريد الإلكتروني الخاص بك ليصلك كل جديد عن موقعنا